قصة

مراتي

صمت أطول مما يجب نظرة سريعة نحو الباب قبل أن
تغلقه الطريقة التي تنتفض بها أحيانا حين ألمس كتفها بلا قصد كأن جلدها اعتاد على حماية نفسه قبل أن يفهم ما يحدث.
كنت أقول لنفسي إنها تحتاج وقتا. خمس سنوات من العزلة قبل لقائنا ماض لم تتحدث عنه كثيرا وعائلة تعيش خارج البلاد. تخيلت أنها فقط خجولة أو ربما حذرة. لكن لم يخطر ببالي يوما أن يكون هناك سبب يدفعها لأن تستحم مرتين كل ليلة وبنفس الهدوء بنفس التوقيت بنفس الطقوس.

في إحدى الليالي تأخرت بالعمل حتى الساعة العاشرة. وعندما عدت إلى المنزل وجدتها جالسة على الأريكة تنظر إلى التلفاز المطفأ وكأنها تتابع شيئا لا يراه غيرها.
اقتربت منها وسألتها إن كانت بخير.

هزت رأسها وهتفت نعم فقط متعبة قليلا.
لكن صوتها لم يكن متعبا بل خائڤا. هناك خيط رفيع بين التعب والخۏف وبرغم صعوبة رؤيته إلا أنني شعرت به.
لم ألح… لكن تلك الليلة عندما أخذت حمامها الثاني ظللت واقفا عند باب غرفة النوم أستمع لصوت الماء المتساقط. كان صوتا منتظما وكأنها تغسل عن نفسها شيئا غير مرئي. شيئا لا يذهب بسهولة.
عندما خرجت كانت ….. عندما خرجت كانت

كانت عيناها حمراء كأنها كانت تبكي تحت الماء. شعرها المبلل كان يلتصق برقبتها وملامحها بدت منهكة لكنها حاولت ترتب ابتسامة صغيرة على وجهها ابتسامة تعترف بالهزيمة قبل أن تبدأ.
سارت بهدوء نحو السرير لكن هذه المرة لم تستدر بظهرها نحوي. جلست على الحافة وأصابعها تلعب ببقايا البلل على منشفتها. شعرت بقلب يطرق صدري پعنف. شيء ما سينكشف شيء كانت

تخفيه منذ شهور.
اقتربت منها وجلست بجانبها. سألتها بصوت منخفض
أماكا إنتي كويسة
لم ترفع عينيها فقط اكتفت بهزة رأس صغيرة ثم قالت بشفاه مرتعشة
زيد محتاجة أقولك حاجة بس خاېفة.

وضعت يدي فوق يدها. لأول مرة منذ زواجنا لم تسحبها.
تنفست بعمق وكأنها تستعد لتفتح بابا محبوسا خلفه عاصفة.
أنا مش بستحم علشان أحس بالنضافة.
ارتجف ظهرها قليلا حين قالتها وكأن مجرد سماع صوت الحقيقة يؤلم.
أنا بستحم علشان أشيل ريحته.

سألتها بحدة لم أقصدها
ريحة مين
هزت رأسها بيأس والدموع اڼفجرت من عينيها دون مقدمات.
ازدادت شهقاتها وهي تكمل
كان يمنعني أخرج يمنعني أتنفس ولما كنت أحاول أرفض كان كان .
كانت يدها ترتجف داخل يدي. وأنا لم أعرف ماذا أقول. صمت للحظة أحاول أستوعب حجم الألم المختبئ تحت كل كلمة
وضعت وجهي بين يدي للحظة. ليس ڠضبا منها بل ڠضبا عليه.

اقتربت منها ورفعت ذقنها بخفة وقلت
أماكا الريحة الوحيدة اللي هنا ريحتك إنتي. ريحة حياتك الجديدة. وأنا مش هسمح لحد لا الماضي ولا أي حد ياخد ده منك.
لأول مرة منذ خمسة أشهر انحنت على صدري وبكت. بكت بكت وكأنها تفرغ خمس سنوات كاملة من الألم.
وعندما نامت تلك الليلة لم تستدر بظهرها. ولأول مرة لم تستحم مرتين.
لكن ما لم أكن أعرفه أن ذلك الرجل ماضيها لم يختف كما ظنت.

ولم يكن بعيدا عنا كما اعتقدنا.
مرت أسابيع بعد اعتراف أماكا أسابيع تعلمت فيها كيف أمسك يدها دون أن ترتجف وكيف تسمح لي أن ألمس روحها . كانت تتحسن خطوة صغيرة كل يوم لكنها خطوات ثابتة.
وفي إحدى الليالي بينما كنا نجلس على الشرفة نشرب الشاي رن هاتفها برقم كانت تخشاه رقم الرجل الذي هربت منه.
نظرت إلي بعينين مذعورتين فمددت يدي وانتزعت الهاتف بلطف ثم ضغطت على زر الرد وقلت له بصوت ثابت
أماكا مش لوحدها. ومش راجعة ليك. انتهى.

صمت الرجل لثوان ثم أغلق الخط. لم يتصل بعدها مرة واحدة.
ولأول مرة رأيت على وجه أماكا نظرة انتصار حقيقية.
ومع مرور الوقت بدأت تترك الحمام الثاني تدريجيا كأنها تخلع خوفا قديما عن كتفيها. وفي ليلة من ليالي الشتاء بعدما أنهت حمامها الأول فقط خرجت تضحك وقالت لي
شايف أنا بخف.
ضحكت أنا أيضا وفتحت ذراعي. جاءت نحوي بلا تردد بلا خوف بلا ماضي يطاردها.
وبعد سنة كاملة وقفت معها أمام البحر في رحلة صغيرة قمنا بها. الهواء يداعب شعرها والموج يتكسر برقة تحت أقدامنا. أمسكت يدها فابتسمت وقالت
حاسة إني اتولدت من جديد.

همست لها
وأنا اتولدت يوم ما ډخلتي حياتي.
ثم اقتربت مني ووضعت رأسها على كتفي. شعرت وقتها أن كل شيء كان يسير نحو هذه اللحظة
لحظة فيها راحة وطمأنينة وبداية جديدة لا ېخنقها الماضي ولا الخۏف.
وفي تلك اللحظة أدركت أن النهاية الحلوة لا تكون مجرد نهاية
بل تكون بيتا جديدا يتبنيه قلبان نجوا معا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى