
صحيت من مكاني قبل ما أفكر… وإيدي شدت الأباجورة بكل قوتي ورفعتها ناحية الراجل، لكن قبل ما أضـ,,ـربه صـ,,ـرخت مراتي لأول مرة بصوت قـ,,ـطع قلبي:— لااااا يا كريم!النور اتفتح فجأة.والدنيا وقفت.الراجل اللي قدامي ماكانش عشيق. ولا حرامي. ولا أي كابوس من اللي عقلي رسمه طول اليوم.كان دكتور.لابس قفازات لاتكس، وكمامة متدلية تحت دقنه، وفي إيده سرنجة صغيرة وجهاز معدني رفيع. وشه شاحب من الخضة، وباصصلي كأني مجنون داخل يقـ,,ـتله.
مراتي كانت قاعدة على السـ,,ـرير وهي ماسـ,,ـكة رقبتها بإيد مرتعشة، والدموع مالية عينها.— إنت إيه اللي عملته؟! — قالتها وهي بتنهج.أنا وقفت مكاني، والأباجورة وقعت من إيدي على الأرض.— ده… ده مين؟!الدكتور بلع ريقه وقال بسرعة: — أنا آسف… هي قالتلي إنك لازم تفضل نايم. مكنتش أعرف إنها مخبية عنك.
-
صرخة طفلمنذ ساعتين
-
ارض بور بقلم انجى الخطيبمنذ 5 أيام
-
سر الزوج الغامض حكايات صافي هانيمنذ 6 أيام
لفّيت ناحيتها ببطء.— مخبية إيه؟سكتت.ولأول مرة من سنين… شوفت الرعب الحقيقي في عين مراتى.مش رعب انكشاف خيانة… رعب انك تخسر حد بتحبه.
قعدت على طرف السـ,,ـرير كأن رجلي مش شايلاني. قلبي كان بيدق بعنف لدرجة حسيت إني هتقيأ.مراتي شالت الكم الطويل ببطء.وساعتها شفت آثار كدماـ,,ـت قديمة وإبر صغيرة حوالين عظمة الترقوة.
همست: — أنا كنت ناوية أقولك… والله كنت ناوية.الدكتور قفل الشنطة بهدوء وقال: — المدام عندها مرض مناعي نادر. من حوالي سبع شهور.الكلام دخل ودني… لكن عقلي رفضه— إيمراتي بدأت تعيط بصمت.— فاكر لما كنت بتقولي إني بقيت بنام كتير؟ وإني بخس؟ وإنجسمي بيوجعني؟… أنا عملت التحاليل وقتها.كل لحظة غريبة خلال الشهور اللي فاتت رجعت دفعة واحدة. الإرهاق. القهوة اللي كانت بتبرد من غير ما تشربها. الكم الطويل في الحر. الأدوية اللي كانت بتستخبى في درج المكياج. نظراتها الطويلة وهي فاكراني مش واخد بالي.
الدكتور قال: — العلاج لازم يتاخد بالحقن الوريدي في مواعيد ثابتة جدًا. والمشكلة إن جسمها بيعمل رد فعل عنيف أحيانًا، فكنت باجي أديها الجرعات بالليل بعد ما تناموا.
بصيت لها بصدمة: — وليه السر؟ ليه كل ده؟
غطت وشها بإيديها. — عشانك… وعشان سونيا.
سكتت شوية وبعدين قالت بصوت مكسور: — أمّي ماتت بنفس المرض. وأنا شفت أبويا بيتحول لواحد تاني من الخوف والعجز. كنت بخاف تبصلي بنفس الطريقة.
أنا حرفيًا حسيت إن الأرض ابتلعتني.
كل الشك… كل الغضب… كل الأفكار السودا اللي ملّت دماغي طول اليوم… كانت بتتكـ,,ـسر جوايا قطعة قطعة.
افتكرت سونيا وهي بتقول: “ماما مبتصرخش… بس بتبقى زعلانة.”
البنت الصغيرة فهمت اللي أنا مفهمتوش.
الدكتور مشي بعد نص ساعة. قبل ما يمشي بصلي نظرة طويلة وقال: — مراتك قوية جدًا… بس القوة ليها حدود.
وسابنا.
فضلت الأوـ,,ـضة ساكتة بشكل موجع.
مراتي كانت قاعدة على طرف السـ,,ـرير، باصة للأرض، وأنا مش عارف أبدأ منين.
سألتها أخيرًا: — من إمتى؟
— سبع شهور.
سبع شهور. سبع شهور وأنا عايش جنبها ومش شايفها.
قالت وهي بتبكي: — كنت كل مرة أقول النهارده هقوله… وأول ما أشوفك راجع من الشغل تعبان وأسنانك مطبقة من الضغط… أخاف
أهد الدنيا فوق دماغك.
قربت منها ببطء.
ولأول مرة أخد بالي قد إيه جسمها بقى ضعيف.
عظام كتفها طالعة. إيديها باردة. وعينيها… عينيها اللي كنت فاكر إني حافظها، كان جواها تعب مستخبي من شهور.
قلت بصوت مخنوق: — كنتي لوحدك في كل ده؟
هزت راسها وهي بتعيط.
وساعتها… أنا اللي انهرت.
فضلت أبكي وأنا حاضنها كأنها هتختفي من بين إيديا. وكل ثانية كنت بفتكر فيها إني شكيت فيها كانت بتقـ,,ـتلني أكتر.
في الفجر، صحينا على سونيا واقفة عند الباب بفستان النوم الصغير بتاعها.
باصتلنا بعينيها النعسانة وقالت: — هو الراجل مشي؟
مراتي مسحت دموعها بسرعة. — آه يا حبيبتي.
سونيا قربت من السرير بهدوء، وبعدين بصتلي وقالت الجملة اللي عمري ما هنساه:
— أنا كنت فاكرة إنك عارف.
الكلمة دخلت في صدري زي السكـ,,ـينة.
الأطفال أحيانًا بيفترضوا إن أهلهم فاهمين كل حاجة. وإحنا بنكون آخر ناس تفهم.
بعدها بأيام، بقيت أنا اللي بفتح الباب للدكتور كل ليلة. وأنا اللي بعقم الترابيزة. وأنا اللي بمسك إيد مراتي وقت الحقنة لما الألم يشتد عليها.
في مرة سألتها: — ليه سونيا كانت شايفة كل ده؟
ابتسمت بحزن. — لأنها كانت بتصحى تشرب مية أحيانًا… وشافتنا. وأنا طلبت منها ماتقولكش.
— بس قالتلي.
مراتي ضحكت وسط دموعها. — أصلها بتحبك… وماعرفتش تشيل السر.
ومن يومها، بنتي بقت تنام بينا أحيانًا. وكل ليلة تبص ليا قبل ما تنام وتسأل: — ماما هتبقى كويسة؟
وأنا رغم خوفي… كنت أقول: — آه يا قلب بابا.
لكن الحقيقة؟ إني ماكنتش
عارف.
بدأت رحلات المستشفيات. تحاليل. أجهزة. دكاترة بوشوش مرهقة. أمل يوم… وخوف أسبوع.
وفي وسط كل ده، اكتشفت قد إيه مراتي كانت بتحـ,,ـارب بصمت. كانت بتضحك لسونيا وهي موجـ,,ـوعة. تطبخ وهي دايخة. وأنا تعبان وهي نفسها محتاجة حد يسندها.
وفي ليلة متأخرة بعد شهور، وأنا صاحي جنبها على كرسي المستشفى، فتحت عينيها بالعافية وقالت: — متبقاش تفتكرني ضعيفة.
مسكت إيدها وبستها. — إنتي أقوى حد أعرفه.
ابتسمت. الابتسامة الصغيرة اللي وقعتني في حبها أول مرة.
وبعدين نامت.
لأول مرة من شهور… بهدوء حقيقي.
خرجت وقتها لبلكونة المستشفى، والجو كان بارد والهوا ساكت، وافتكرت اليوم اللي بنتي قالتلي فيه: “فيه راجل بيدخل أوضتنا كل ليلة.”
يومها افتكرت إن أسوأ حاجة ممكن تهد البيت هي الخيانة.
لكن الحقيقة كانت أصعب بكتير…
إنك تكتشف إن الإنسان اللي بتحبه كان بيتألم جنبك كل يوم… وإنت ماكنتش شايف.
بعد الليلة دي حياتنا كلها اتقسمت نصين… قبل ما أعرف، وبعد ما عرفت.
البيت نفسه بقى مختلف. نفس الحيطان، نفس الكنبة، نفس صوت غلاية المية الصبح… لكن كل حاجة بقت شايلة معنى تاني. بقيت أصحى مفزوع لو ماحستش بنفس مراتي جنبي. بقيت أراقب نفسها وهي نايمة، وأعد الثواني بين كل نفس والتاني كأني خايف النفس اللي بعده ماييجيش.
وهي… كانت بتحاول تعيش عادي بشكل يوجع القلب.
كل يوم تصحى بدري، تسرّح شعر سونيا، وتحط لها الساندوتشات في اللانش بوكس برسومات صغيرة بالقلم الأزرق. قلب ونجمة ووش بيضحك. كأنها بتحارب
المرض بالتفاصيل الصغيرة. وأنا واقف أبصلها وأتقطع من جوايا، لأني بقيت أشوف التعب اللي كانت مخبياه طول الوقت.
مرة وهي واقفة تغسل طبق، إيديها بدأت ترتعش فجأة.
متابعة القراءة








