
المليونير تظاهر بالسفر لكنه اكتشف ما تفعله خادمته بابنه المقعدوعودته المفاجئة وسر المطبخانطفأ محرك السيارة قبل شارعين من القصر. لم يرد روبرتو أن يعلن وصوله. كان قد خطط لهذه اللحظة بدقة جراح يستعد لاستئصال ورم خبيث.شد عقدة ربطة العنق الحمراء وأحس بأنها تضيق حول عنقه كما تضيق عليه تلك الغصة التي ظلت في صدره منذ أسبوع. تمتم لنفسه وهو يتأمل انعكاس وجهه في المرآة الخلفيةثلاثة أياملقد قال لهم إنه مسافر ثلاثة أيام إلى مؤتمر في الخارج. ترك لهم البيت وحدهم وترك لهم المجال مفتوحا. والآن سيعرف حقيقة تلك المرأة.
ترجل من السيارة ومشى تحت شمس الصباح ومع ذلك كان يشعر ببرودة تتسلل من معدته. قبل شهر واحد فقط كان قد استقدم إيلينا فتاة شابة رشحتها وكالة رخيصة بعدما رفضت الممرضات المتخصصات تحمل مزاجه السيئ وكآبة البيت التي تبتلع الهواء.
-
تنظيم الحيض : كوب مغليمنذ ساعتين
-
فى الثمانينات وبالتحديد فى منطقة العتبةمنذ 23 ساعة
-
صرف الملاينمنذ يومين
-
في التاسعة والثلاثين من عمريمنذ يومين
كانت إيلينا مختلفة مبتسمة أكثر مما ينبغي ملونة الروح حية على نحو لا يليق بمكان ماتت فيه الآمال منذ زمن.
وقد جاءت بذرة الشك من دونيا خيرتروديس الجارة التي تعيش خلف الستائر تراقب كل شيء. قالت له ذات يوم
روبرتو تلك الفتاة تفعل أشياء غريبة. أمس سمعت صراخا ثم موسيقى! موسيقى بأعلى صوت وفي البيت طفل مريض! احذر الذين يبتسمون كثيرا يخفون عادة أسوأ النوايا.
كانت الكلمات تحفر رأسه كالمسمار.
ابنه بيدريتو كان سبب بقائه الوحيد وكان أيضا ألمه الأكبر. طفل في عامه الأول حكم عليه أفضل أطباء البلاد بأن ساقيه لن تحملاه.
شلل جزئي لا رجعة فيه.
هكذا كتب التقرير الطبي الذي يحتفظ به روبرتو في الخزنة كأنه حكم
كان بيدريتو كأنه زجاج.
وإن كانت تلك المرأة تهمله أو تقيم الضجيج مستغلة غيابه فقد أقسم روبرتو أنه لن يطــ,ردها فقط بل سيحـ,طمها قانونيا.
فتح الباب الرئيسي بمفتاحه الخاص ودار به ببطء كي لا يصدر طقة معدنية. استقبله البيت برائحة المطهر الفاخر والوحدة. خطا خطوة صمت. خطوة ثانية لا شيء.
ثم سمعه.
لم يكن صراخ ألم كما كان يخشى. ولم يكن صوت تلفاز مفتوح. بل كان صوتا غريبا لا يعرفه ضحكات لكن ليست أي ضحكات.
كانت قهقهة نظيفة نابضة تهز الجسد كله.
وكانت تأتي من المطبخ.
غلى دمه.
أتضحك على ابني قال في داخله وهو يقبـ,ض على حقيبته الجلدية حتى ابيضت مفاصله.
تسخر من حاله وأنا لست هنا!
تخيلها تمسك الهاتف وتثرثر مع أحدهم تاركة الطفل في كرسيه ضاحكة على حياته السهلة التي تعيشها من ماله. نسي التسلل ومشى بسرعة. دوى حذاؤه في الممر كأنه مطارق قاض ينطق بالحكم.
بلغ عتبة المطبخ وهو جاهز للصراخ والطرد والدفاع عن ابنه.
لكن الجملة ماتت في حلقه.
تجمد روبرتو. وانزلقت الحقيبة من يده وارتطمت بالأرض ارتطاما مكتوما لم يسمعه أحد لأن المشهد أمامه كان سرياليا إلى درجة كأنه جمد الزمن.
المطبخ الذي كان عادة مكانا عقيما من فولاذ لامع غمرته الآن شمس ذهبية تدخل من النافذة الكبيرة. وفي قلب هذا الضوء كان الجرم.
إيلينا لم تكن تسرق المال ولم تكن تتحدث بالهاتف. كانت مستلقية على الأرض على ظهرها فوق البلاط البارد ترتدي زيها الأخضر المائي وعلى يديها قفازان مطاطيان ورديان فاقعان بشكل مضحك. شعرها الداكن مبعثر كالمروحة ووجهها مضاء بابتسامة واسعة تكاد تؤلم من شدة الفرح.
لكن الذي أوقف قلب روبرتو للحظة لم يكن إيلينا
بل ما فوقها.
بيدريتو ابنه الزجاجي الطفل الذي قال الأطباء إنه يجب أن يبقى مربوطا في كرسيه تفاديا لأي إصابة.
لم يكن في الكرسي.
كان كرسيه الفضي فارغا مركونا قرب الثلاجة والوسائد الملونة تبدو حزينة وبلا معنى.
أما بيدريتو فكان واقفا.
كان واقفا فوق بطن إيلينا يتمايل بخطر واضح وقد غاصت قدماه الصغيرتان في قماش زيها. يرتدي بيجامة مخططة وعلى رأسه
قبعة طاه مائلة. رفع ذراعيه الممتلئتين نحو السقف كأنه يعلن النصر وفمهالذي اعتاد العبوس أو البكاء الصامتصار دائرة فرح كاملة.
كان الطفل يضحك.
ويضغط بقدم على بطن إيلينا وهي بدل أن تبعده كانت تمسك كاحليه بثبات وحنان وتغني
البطل فوق يا عملاق ليهتز الأرض!
شعر روبرتو أن الأرض تميد تحت قدميه. عقله لا يستوعب.
مستحيل! صرخ منطقه الداخلي.
التقارير الأطباء الأشعة لا يملك القوة سيسقط سيتحطم!
لكن عينيه كانتا ترى شيئا آخر طفلا يتسلق إيفرست في وسط مطبخ فاخر ويسحق التشخيص تحت ضحكته.
تلاشى الذهول وحل مكانه خوف جليدي. فمن لا يعرف جحيم روبرتو في الشهور الاثني عشر الماضية لا يفهم رعبه الآن. لم يكن أبا قلقا فحسب بل رجلا مجروحا حتى العظم.
عاد بذاكرته إلى عيادة الدكتور فالاداريس أغلى طبيب أعصاب أطفال في المدينة. يتذكر ضجيج المكيف ورائحة قهوة قديمة وصوت الطبيب الرتيب وهو يشير إلى بقعة رمادية في الأشعة
سيد روبرتو عليك ضبط توقعاتك. الاتصال العصبي في الأطراف السفلية ضعيف جدا. إن أجبرته على المشي قبل أوانه قد تسبب أذى دائما في العمود الفقري أو الحوض. يحتاج دعما يحتاج الكرسي ويحتاج أن تقبل واقعه.
اقبل واقعه ثلاث كلمات حطمت روبرتو. فقد ترمل أثناء الولادة وفكرة أن آخر ما تبقى له من زوجته طفل سيعاني طوال عمره جعلته رجلا مرا قاسيا.
بنى حول بيدريتو حصنا. اشترى أغلى كرسي مستورد من ألمانيا. استقدم ممرضات كأنهن آلات وأمرهن ألا يدعن الطفل يحبو كثيرا وأن يقدمن له الألعاب وأن يحمينه من أي إحباط جسدي.
كان يقول لنفسه كل ليلة وهو يراقب ابنه نائما بلا حركة
أنا أحميه أحميه من الفشل أحميه من المحاولة ثم العجز.








