عام

السبت الذي أعاد ابنتيّ إلى الحياة

في كل صباح سبت ومع شروق الشمس فوق الرمال الحمراء وأفق فينيكس الصافي كان مايكل روان يعبر بوابات مقبرة غرينوود هيل حاملا باقة من الزنابق البيضاء. فعل ذلك لمدة عامين كاملينسبعمئة وثلاثين يوما من الخطوات نفسها والصلوات نفسها والأسئلة التي لم يكن ينتظر أن يجيبه أحد عنها.
كان في الماضي واحدا من أكثر رجال الأعمال نشاطا في ولاية أريزونا مؤسس سلسلة مستودعات البناء روان سبلايز الممتدة من فينيكس إلى توسان. أما الآن فكان يتحرك كمن أثقلت السنون روحه ظهر منحن كتفان مثقلان وعيون فقدت بريقها تحت وطأة ألم لا يغادر.

كان يتوقف دائما أمام المكان نفسه شاهدان متماثلان من الرخام الأبيض منقوش عليهما بحروف ذهبية
آفا روان.
ليلي روان.
ابنتان محبوبتان.
ست سنوات فقط كان عمرهما حين خسرهما العالم.
كان يجثو على ركبتيه يمسح الغبار عن الرخام بقطعة قماش يحتفظ بها خصيصا لهما يرتب الزنابق بعناية ثم يجلس على المقعد الحجري المجاور. يهمس بصوت أنهكه البكاء
مرحبا يا صغيرتي والدكما هنا.

كان يحدثهما عن كل شيءالطقس الذكريات ما يتمنى لو استطاع إصلاحه. كان الحديث معهما هو الشيء الوحيد الذي يبقيه على قيد الحياة.
قبل المأساة كانت حياة مايكل مليئة بالضوء والحركة. ابنتاه التوأم بشعرهما الكستنائي المتموج وعيونهما العسلية كانتا شعلة قلبه وسبب جهده. زواجه من هانا ميرسر بدأ يتصدع تدريجيا خلـ,ـافات وصمت ومسافات لم يعرفا كيف يلغيانها. وبعد الطلاق انتقلت هانا فجأة من منزل مريح في سكوتسديل إلى إيجار متداع في أطراف ألبوكيركي بنيومكسيكو بحجة رغبتها في حي أكثر هدوءا.
شك مايكل في الأمر لكنه لم يشكك كثيرا طالما ظل يزور ابنتيه أربع مرات أسبوعيا.
وفي ليلة

ثلاثاء عند الثالثة وأربع عشرة دقيقة فجرا رن هاتفه.
أخبره ضابط شرطة من نيومكسيكو بوقوع حادث مروري مروع سيارة انقلبت عدة مرات واشتعلت والتعرف تم فقط من خلال المتعلقات والوثائق.
انهار عقله.
سافر دون وعي وعندما كررت الشرطة القصة نفسها لم يجد قوة ليسأل المزيد.
أقام جنازة بدت له ضخمة لحد القسوةتوابيت بيضاء صغيرة وفرة من الزهور حتى بدا المكان حديقة لا نهاية لها.
ثم دفن ابنتيه مقتنعا أنه دفن آخر ما تبقى من الأمل.
وبعد عامين وفي صباح سبت هادئ كعادته كان يمسح الغبار عن الشاهدين حين سمع صوتا صغيرا خلفه
سيدي عذرا سيدي
استدار بحدة منزعجا من المقاطعة.
كانت طفلة نحيلة ترتدي ملابس باهتة وحذاء مهترئا تشبك يديها بتوتر.
ماذا هناك قال بنبرة أشد مما أراد.
ارتجفت لكنها لم تهرب.
قالت بصوت مرتجف
أريد أن أخبرك شيئا يتعلق بهاتين الفتاتين.
عبس مستاء ومحتارا.
ما شأنك بهما
ابتلعت ريقها بصعوبة.
هما ليستا هنا. إنهما تعيشان في الشارع الذي أسكنه.
تجمد العالم.
ماذا قلت همس وقد وهن صوته.
رفعت أصابع مرتعشة وأشارت إلى الشاهدين.
أعرف هذين الاسمين. أسمع امرأة تناديهما. فتاتان بالشعر نفسه بالملامح نفسها بالطول نفسه. تعيشان في المنزل الأزرق آخر شارعنا.
بدأ قلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمع دقاته.
أتعبثين معي قال بعصبية.
لا يا سيدي! امتلأت عيناها بالدموع. أمي مريضة لا أريد المال. أنا لا أكذب. أراهما طوال الوقت.
كاد أن يمضي دون استماع.
كاد أن يدير ظهره.
لكن تلك العيونالصادقة رغم خوفهاأجبرته على التوقف.
أخرج محفظته.
كم تريدين
قالت بخجل
عشرين دولارا لدواء أمي.

أعطاها مئة.
إن قادتني إليهما وكان كلامك صحيحا سأعطيك ألفا فوقها.
همست الطفلة لست كاذبة سترى.
كانت تجلس في المقعد الخلفي من سيارته السوداء تعطيه الاتجاهات بصوت مرتبك. وكلما اقتربا ازداد تنفسه اضطرابا وكأن الهواء يثقل صدره.
ثم ظهر ذلك المنزل.
منزل صغير متشقق بطلاء أزرق يتقشر وسياج مائل وساحة ممتلئة بلعب قديمة وأعشاب متشابكة. وعلى الحبل الخلفي ثياب معلقة دليل على أن أحدا يعيش هنا ويعيش منذ فترة قريبة.
نزل من السيارة وقد خارت ركبتاه.
صعد الدرج المتهالك.
طرق الباب.
مرة.
مرتين.
ثلاثا.
خطوات.
ثم انفتح الباب قليلا تعيقه سلسلة حديدية.
كانت هانازوجته السابقةواقفة خلفه شاحبة مرتجفة حية.
اختفى الهواء من صدره.
دفع الباب بقوة فسقطت إلى الخلف.
وفي داخل غـ,ـرفة جلوس معتمة فوق أريكة مهترئة جلست فتاتان صغيرتان تتشبثان ببعضهما بخوف.
آفا وليلي.
حيتان.
حقيقيتان.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى