قصص

في مركز الشرطة لأنها طالبت بحقّها… وبعد دقائق دخل رجل واحد قلب المشهد رأسًا على عقب!

أريني أوراقك الآن! وما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أحد.
كانت الأمطار تضرب مدينة أتلانتا بإلحاح يكاد يكون قاسيا كأن السماء نفسها تريد أن تستجوب كل من يجرؤ على السير وحيدا. شدت نعومي كارديناس معطفها إلى صدرها وهي تعبر موقف السيارات التابع لمركز الشرطة.

كانت في أوائل الثلاثينيات من عمرها ذات نظرة ثابتة وحقيبة معلقة على كتفها. دخلت من دون مرافقة ومن دون سلاح ظاهر ومن دون أي استعراض. كانت تريد فقط إنجاز معاملة.
بلاغا. محضرا. شكوى بسيطة.
كان المكان يفوح برائحة القهوة الباردة والورق الرطب والإرهاق المتراكم. أضواء فلورية تطن في السقف كحشرات عالقة. شرطيان يكتبان على لوحة المفاتيح. موقوف نائم على مقعد. وفي الزاوية امرأة مسنة تجادل عنصرا بصوت منخفض. لم يكن في المشهد ما يلفت الانتباه.

إلى أن اقتربت نعومي من شباك الاستقبال.
قالت بهدوء بدأت بالإسبانية ثم انتقلت إلى الإنجليزية بحكم العادة
مساء الخير. جئت لتقديم بلاغ. تعرضت للســ,رقة قبل ساعات وأحتاج فقط إلى
رفعت الضابطة على الجانب الآخر رأسها بلا صبر. كان الاسم على الشارة الرقيبة بريندا سالازار. كعبان مرتفعان مكياج متقن شعر مشدود بإحكام. كان تعبير وجهها جدارا صلبا.

قالت بحدة
أريني أوراقك. الآن.
رمشت نعومي لا خوفا بل دهشة.
قالت
بالطبع لكن أنا لم أفعل شيئا. جئت فقط ل
ماتت الجملة في الهواء حين ضربت بريندا كفها على المنضدة بضر,بة حادة ارتد صداها في القاعة كلها.
صرخت
قلت لك أريني الأوراق الآن!

وأشارت بإصبعها على مسافة سنتيمترات من وجه نعومي.
تجمد المكان فجأة.
انقطعت الأحاديث. توقفت لوحات المفاتيح. صر مقعد حين التفت أحدهم لينظر. حتى أزيز

المصابيح بدا أعلى. انغرست نظرات كثيرة في نعومي كالدبابيس. وارتفع هاتفان خلسة كأن العرض قد بدأ.
ابتلعت نعومي ريقها. ارتجفت يداها ارتعاشة خفيفة وهي تلمس الحقيبة.
قالت برجاء
من فضلك أنا فقط أريد تسجيل بلاغ.
خفضت صوتها حتى لا تتصاعد الأمور
سـ,رقت محفظتي و
قاطعتها بريندا

لا تتكلمي من دون إذن.
ودفعت استمارة عبر الشباك وأضافت باحتقار
أنتم جميعا متشابهون. دائما لديكم قصة جاهزة.
شعرت نعومي بوخزة في معدتها. كلمة أنتم تحولت إلى قفص غير مرئي. صمتت لحظة ثم أخذت نفسا عميقا كمن يمنع نفسه من الانهيار أمام الغرباء.

قالت أخيرا بنبرة ثابتة
أنا مواطنة أمريكية. أعيش هنا منذ سنوات. وأريد فقط التحدث إلى مسؤول أعلى.
ضحكت بريندا بسخرية دفعت بعض الموجودين إلى الضحك بلا وعي.
قالت
مسؤول أعلى أنت لست في موقع يسمح لك بطلب أي شيء.

عاد الإصبع يشير وارتفع الصوت من جديد
يداك حيث أراهما. الآن.
أطاعت نعومي ببطء. كان قلبها يقرع صدرها كطبل حرب. كل ثانية تتمدد. تشعر بحرارة النظرات بالهواتف التي تصور وبهمهمة تتكاثف خلف زجاج غير مرئي.
قالت بشجاعة
أنا أعرف حقوقي.

مالت بريندا فوق الشباك وقالت ببرود
حقوق فقدتها حين دخلت هنا لتصنعي المشــ,اكل.
في الخلف تمتم شرطي عبر جهاز اللاسلكي وبدأ آخر يكتب بسرعة. توتر مشدود كحبل على وشك الانقطاع.
شدت نعومي على أسنانها وقالت وقد بدأ صوتها يتكسر
هذا غير ضروري أنا فقط أقدم بلاغا عن

قاطعتها بريندا وهي تستدير كمن يصدر حكما
قيود.
حبـ,س المكان أنفاسه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى