
سار في الممر الطويل وهو يشاهد كبار السن يجلسون على كراسي مك.سورة والبعض نائم والبعض الآخر يشاهد التلفاز دون أن يفهم جيدا ما يحدث. ثم رآها تجلس على كرسي متحرك بالقرب من نافذة متسخة كانت هناك امرأة أبيض الشعر مجاعدة ولكن بنظرة جعلت جسدها يرتعد لم أكن أعرف لماذا، لكنه لم يستطع عدم رؤيته. كان الأمر كما لو أن شيئاً ما في أحشائها صرخ أنها تعرفها.
اقترب ببطء ويده ترتجف قليلاً، شيء غريب عنه، لأنه كان عادة رجلًا آمنًا وثابتًا. نظرت السيدة للأعلى وكأنها شعرت أن أحدهم يناديها دون كلمات. ابتلع ليوناردو اللعاب. لم تكن الأكثر رعاية أو الأفضل ارتداءً. يبدو في الواقع أنه أحد أكثر الأماكن المنسية…..
-
في عام 1862يناير 16, 2026
-
فضلنا مستنيينيناير 16, 2026
لم تكن الأكثر أناقة، ولا الأكثر اهتمامًا بها.
ثوبها باهت، ويديها ترتجفان فوق بطانية رقيقة، لكن عينيها…
عينيها كانتا تحملان حياة كاملة.
اقترب ليوناردو أكثر، حتى صار على بعد خطوات.
توقف الزمن للحظة.
رفعت رأسها ببطء، حدقت فيه طويلًا، وكأنها تبحث وسط ملامحه عن شيء دفنته منذ عقود.
ثم انفرجت شفتاها اليابستان، وخرج صوت بالكاد يُسمع:
– ليوناردو…؟
تجمّد الدم في عروقه.
ذلك الاسم… لم ينطقه أحد بتلك الطريقة منذ كان طفلًا.
قال بصوت مكسور: – حضرتِك… تعرفيني؟
ابتسمت ابتسامة موجوعة، ودمعة سالت على خدها المتغضن. – كنت بناديك كده… وإنت بتجري ورا الكورة في الحوش… وكنت تزعل لما أناديك “ليو”.
تراجع خطوة، كأن الأرض اهتزت تحته. – مستحيل… إنتِ مين؟
مدّت يدها المرتعشة نحوه، ولمسَت معصمه. – أنا أمك يا ابني.
الكلمة ضربته كصفعة.
أمك.
فتح فمه، لكن صوته خانه.
ذاكرته انف.جرت بصور مبعثرة:
ضحكة دافئة، رائحة خبز، يد تمسح على شعره وهو يبكي.
– قالوا لي إنكِ متّي…
قالها وكأنه يتهمها.
أغمضت عينيها، وهزّت رأسها ببطء. – قالوا كده عشان يسهل عليهم ينسوني… وينسّوك.
جاءت الممرضة بسرعة، لكن ليوناردو أشار لها أن تبتعد. جلس على ركبتيه أمامها، غير آبه ببدلته الغالية أو بالمديرة التي تراقب المشهد في ذهول.
– اختفيتِ ليه؟
– ليه سيبتيني؟
– أربعين سنة بدوّر على إجابة!
انف.جرت بالبكاء. – ما سيبتكش بإيدي يا ليوناردو… أخدوك مني.
وحكت.
عن حادث لم يكن حادثًا.
عن شقيقته رامونا…
عن الطمع.
عن توقيع زُوّر.
عن طفل أُخذ منها بحجة “حمايته”، وامرأة أُودعت مصحة بحجة “فقدان الأهلية”.
– حاولت أصرخ، أشتكي، أهرب…
– بس مين يسمع واحدة فقيرة قدام عيلة غنية؟
كان ليوناردو يبكي دون خجل.
كل نجاحه، كل أمواله، لم تستطع أن تشتري له حضنًا واحدًا منها.
– كنت فاكرة إنك نسيتني…
– أو كرهتني.
أمسك يدها بقوة. – عمري ما نسيتك…
– كنت حاسس إن في حاجة ناقصة… دايمًا.
دخلت المديرة مذعورة: – في مشكلة؟
رفع ليوناردو رأسه، وعيناه لم تعودا عينَي رجل أعمال. – أيوه…
– في جريمة اتعملت من أربعين سنة.
بعد أسبوع، أُغلقت المصحة للتحقيق.
وبعد شهر، تصدرت رامونا عناوين الصحف.
أما ليوناردو…
فلم يعد للمناسبات ولا الصور.
كان يجلس كل صباح بجوار نافذة نظيفة هذه المرة،
يطعم أمه بيديه،
ويهمس لها:
– رجعتلك يا أمي…
– ومش همشي تاني
تمت..






